الرئيسية > سينما > حكاية مشهد (2) : ’’أخبره أن الدرّاج جزءٌ مني’’ .

حكاية مشهد (2) : ’’أخبره أن الدرّاج جزءٌ مني’’ .

حينما سُأل (المخرج، الرسام، المونتير، السيناريست، الفوتوغرافر، الشاعر) الإيراني عباس كيروستامي (1) عن ماهية السينما أجاب: ’’هي الصورة التي لا تكون محصورة ضمن حدود ما تراه. إن لها طبقات عديدة و مختلفة، و تلك الطبقات أحيانا تغمر الصورة التي تراها، فلا تفكر إلا في هذه الطبقات، تلك هي السينما’’(2). في فيلم الدراما الوثائقي لكيروستامي الذي يستمد مادته من الواقع : لقطة قريبة (3) . شخصية: حسين سابزيان، و الذي هو شاب عاطل و فقير من طهران،  مدقع في هامشيته، و موغل في بساطته كمواطن و إنسان. يجد نفسه ملزوزا بدافع حبّه و شغفه بالفن بالذات و السينما بالعرض ما يدفعه لأن يمتهن نفسه و يعرضها للخطر بما يكفي للذهاب بعيدا وراء شغفه، حتى أنه قرر عرضيا -دون سابق تخطيط- أن ينتحل شخصية المخرج الإيراني البارز محسن مخملباف (4)، المعُجب به و بأفلامه إلى حدّ التعلق التام ذلك أنها تخاطب الفقراء و المعدومين كما يقول في الفيلم. يقدم حسين سابزيان نفسه و هويته من هذا المنطلق -كونه محسن مخملباف- لسيدة عجوز في الباص و التي أبدت اهتمامها و اعجابها بالمخرج مخملباف، ثمّ لا يلبث حسين إلا و أن يتمادى أكثر و يقرر أن يلتقي بأسرة المرأة العجوز، و التي تحبّ السينما أيضا كما يحبها حسين، تحت قصد أنه يبتغي تصوير فيلم داخل منزلهم و بالإتفاق معهم كشخوص لفيلمه، و ذلك مقابل أن يساعدوه في إنتاج الفيلم. لكنّ حقيقته سرعان ما تنكشف، فتتم إحالته للمحاكمة بتهمة النصب و الإحتيال، و التخطيط لسرقة منزل الأسرة. و قد اعترف حسين سابزيان في محاكمته و أقرّ بذنبه بصراحة، و لكن أنكر عن نفسه نية النصب و الإحتيال و السرقة، ذلك أن دافعه وراء ما فعل هو حبّ الفن، حيث يقول أنه كان يحب السينما طوال حياته، و يحلم أن يقدّم فيلما عن نفسه، و لهذا لم يستطع مقاومة الأغراء بأن يكون مخرجا، ولو على سبيل الإحتيال. يقول حسين سابزيان في محاكمته المؤثرة وهو يسبر و يجلّي دوافعه للقاضي الذي يبدي تعاطفه معه: ’’لم يكن سهلاً تمثيل دور المخرج، لكنه منحني الثقة بالنفس وجعلني أكتسب احترام العائلة. لقد نفّذوا كل ما طلبته منهم. عندما طلبت نقل خزانة الثياب من موضعها، استجابوا بلا تردد. قبل ذلك، لم أنجح أبداً في جعل الناس يتقبلون آرائي، كانوا يطيعون بتردد. لكن في ذلك البيت، تحت قناع شخصية مزعومة، صار بإمكاني أن أجعل كل شخص يطيعني ويمتثل لي. حين غادرت ذلك البيت واضطررت إلى أخذ نقود منهم كي أشتري بها شيئاً لطفلي وأدفع أجر انتقالي إلى بيتي في الضواحي، أدركت أنني ذلك الشخص الفقير نفسه الذي لا يستطيع أن يعيل عائلته، وأن عليّ أن أقبل نصيبي وقدري بين الفقراء. ذلك كان السبب الذي جعلني، حين أستيقظ صباح اليوم التالي، أرغب في العودة ثانيةً للعب ذلك الدور. كان صعباً جداً، مع ذلك كنت أرغب في فعل ذلك بسبب عشقي للسينما؛ وأيضاً لأنهم احترموني ومنحوني الدعم المعنوي. هكذا مضيت أؤدي عملي بجدية تامة. وبدأت أصدق بأنني مخرج حقاً، وأنني لم أعد أمثّل. كنت ذلك الشخص الجديد. مرةً سألت الوحي لم هو مخفي. أجاب: أنت هو المخفي. نحن عبيد الجانب الأناني الذي وراءه يختبئ وجودنا الحقيقي. لو تخلصنا من ذلك الجانب الأناني، فبوسعنا أن نلاحظ جمال الحقيقة’’. يطلب القاضي في نهاية المحاكمة من الأسرة المدّعية أن تصفح و تعفو عن حسين سابزيان، فتفعل و تُسقط الدعوى. و من هنا يأتي المشهد المقصود (5) و الذي أردت بكلّ الكلام السابق أن أختزل التجربة الشعورية المنطوية عليه ممهدا له : يخرج حسين من المحكمة ليجد في إنتظاره المخرج محسن مخملباف -الحقيقي- فيسلّم و يحيّي حسين، الذي انهمر بدوره في بكاءه من فرط الهيبة الجافية التي يفرضها المشهد، باعتبار أنه -مخملباف- الرجل الطيب الذي يصور و يجسد معاناة حسين في أفلامه و يجعله يريد مشاهدتها مرارا و تكرارا. فيأخذ مخملباف حسين و يمتطيا الدراجة النارية، حيث يتابعهما كيروستامي بكاميرته من السيّارة، فتنطلق الموسيقى التصويرية (6) لأول مرة متزامنة مع تتابع رحلة حسين و مخملباف بالدراجة في وجهتهم نحو منزل الأسرة المدّعية للقاءها. ليكون ’’الدراج’’ -والذي هو اسم لأحد أفلام مخملباف الشهيرة- جزء من حسين فعلا حينما تتحقق رسالته التي أبلغها كيروستامي في السجن ليوصلها لزميله مخملباف. و هكذا يصل كيروستامي من خلال هذا المشهد البديع الفائق الجمال و البراءة -و من الفيلم ككل- لتجسير التخوم الضبابية بين الحقيقة التي تفصل الفيلم عن أن يكون دراميا في جزء، و وثائقيا في جزء. ذلك أن النتيجة هي: ’’تحليل مدهش، واستنطاق ذكي، لطبيعة الواقع وكيفية تصويره، أو التظاهر به، في السينما. إلى جانب أنه تأمل عميق في تفاعل الحقيقة والخيال، الواقع والوهم.. وفي خلق الشك واللايقين بشأن ما يراه المرء بعينيه. إنه يُظهر لنا طرائق في النظر لم نختبرها من قبل. الفيلم هنا يصبح وسيلة لأسر الواقع سواء أثناء إنجازه أو في إعادة بنائه’’ (7). و أثناء بلوغي مشاهدة المشهد، لم أكن أشعر إلا بتلك الطبقة التي تحدث كيروستامي عنها في اقتباسه الأول أعلاه، الطبقة التي تغمر الصورة، إذ تتقعر فيها السينما بكلّ خفة، ذلك أن السينما -بالنسبة لي- في نهاية المطاف هي تجربة شعورية.

_______

الهوامش.

(1): صفحتي الفنان عباس كيروستامي في موقع قاعدة بيانات الأفلام و ويكيبيديا:

http://www.imdb.com/name/nm0452102/?ref_=tt_ov_dr

http://en.wikipedia.org/wiki/Abbas_Kiarostami

(2): من كتاب ’’عباس كيارستمي: سينما مطرّزة بالبراءة’’ من ترجمة و إعداد الأستاذ أمين صالح.

(3): صفحة فيلم ’’لقطة قريبة’’ في موقع قاعدة بيانات الأفلام:

http://www.imdb.com/title/tt0100234/?ref_=nm_knf_i3

(4): صفحتي المخرج محسن مخملباف في موقع قاعدة بيانات الأفلام و ويكيبيديا:

http://www.imdb.com/name/nm0538532/?ref_=tt_cl_t2

http://en.wikipedia.org/wiki/Mohsen_Makhmalbaf

(5): المشهد الذي تتحدث عنه التدوينة في اليوتيوب للمشاهدة:

(6): الموسيقى التصويرية الخاصة بالمشهد:

(7): التعبير الموسوم من كتابة الأستاذ أمين صالح نفسه، و مصدره كتابه:  ’’عباس كيارستمي: سينما مطرّزة بالبراءة’’.

و الكتاب متاح للقراءة المجانية في موقع الأستاذ أمين صالح هنا:

http://hshaddad.powweb.com/Cinematech/Cinematech_Special/Ameen/AmeenBooks/Ameen_Book_7.HTM

التصنيفات :سينما الوسوم:, , ,
  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

kalam Falsfa كلام فلسفة

أنا أفكر .. إذن أنا موجود

مُكَافِح الشُّبُهات

أبو عمر الباحث - غفر الله له ولوالديه

مدرسة التجديد في الفكر الإعتزالي

(منهج التوحيد والعدل الإسلامي المعاصر)

ما العمل؟

مدوّنة يساريّة مختصة بالترجمة

قُدسية حرف

This WordPress.com site is the cat’s pajamas

lost4dreams

Dreams,Art,Cinema

Strange Flowers

Highly unusual lives.

JourinKeelo

أطروحات نقدية

PhyloTactics

مدونة شاملة لكل مايتعلق بالتكتيك

Heliologos's Blog

في تعليم الفلسفة

24 Brains Per Second

I don't claim to be an expert, I just adore cinema.

قناة الملحدين بالعربي

قناة إعلامية تهدف الى نشر الوعي العلمي والثقافي والتفكير النقدي ومكافحة الجهل بكل أشكاله.

shathaalqhtani's Blog

A great WordPress.com site

%d مدونون معجبون بهذه: